محمد بن جرير الطبري
183
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
له القول ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها . وحدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ قال : يقول قولا في قلبه غيره ، والله يعلم ذلك . وفي قوله وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وجهان من القراءة : فقرأته عامة القراء : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ بمعنى أن المنافق الذي يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ، يستشهد الله على ما في قلبه ، أن قوله موافق اعتقاده ، وأنه مؤمن بالله ورسوله ؛ وهو كاذب . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ كان رجل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : أي رسول الله أشهد أنك جئت بالحق والصدق من عند الله . قال : حتى يعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله . ثم يقول : أما والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن الله ليعلم ما في قلبي مثل ما نطق به لساني . فذلك قوله : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ . قال : هؤلاء المنافقون ، وقرأ قول الله تبارك وتعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ حتى بلغ : إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ بما يشهدون أنك رسول الله . وقال السدي : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ يقول : الله يعلم أني صادق ، أني أريد الإِسلام . حدثني بذلك موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط . وقال مجاهد : ويشهد الله في الخصومة ، إنما يريد الحق . حدثني بذلك محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عنه مجاهد . وقرأ ذلك آخرون : " ويشهد الله على ما في قلبه " بمعنى : والله يشهد على الذي في قلبه من النفاق ، وأنه مضمر في قلبه غير الذي يبديه بلسانه وعلى كذبه في قلبه . وهي قراءة ابن محيصن ، وعلى ذلك المعنى تأوله ابن عباس . وقد ذكرنا الرواية عنه بذلك فيما مضى في حديث أبي كريب ، عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق الذي ذكرناه آنفا . والذي نختار في ذلك من قول القراء قراءة من قرأ : وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ بمعنى يستشهد الله على ما في قلبه ، لإِجماع الحجة من القراء عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ الأَلد من الرجال : الشديد الخصومة ، يقال في " فعلت " منه : قد لددت يا هذا ولم تكن ألد ، فأنت تلد لددا ولدادة ؛ فأما إذا غلب من خاصمه ، فإنما يقال فيه : لددت يا فلان فلانا فأنت تلدلدا ، ومنه قول الشاعر : ثم أردي وبهم من تردي * تلد أقران الخصوم اللد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : تأويله : أنه ذو جدال . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أي ذو جدال إذا كلمك وراجعك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ يقول : شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل ، وإذا شئت رأيته عالم اللسان جاهل العمل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة . حدثنا الحسن بن يحيى . قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ قال : جدل بالباطل . وقال آخرون : معنى ذلك أنه غير مستقيم الخصومة ولكنه معوجها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ قال : ظالم لا يستقيم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد ، قال : الأَلد الخصام : الذي لا يستقيم على خصومة . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ألد الخصام : أعوج الخصام . قال ، أبو جعفر : وكلا هذين القولين 000 أنه ذو جدال أنه غير مستقيم الخصومة ولكنه معوجها متقارب المعنى ، لأَن الاعوجاج في الخصومة من الجدال واللدد . وقال آخرون : معنى ذلك : وهو كاذب قوله . ذكر من قال ذلك : القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا وكيع ، عن بعض أصحابه وكيع ، عن الحسن ، قال : الأَلد الخصام : الكاذب القول . وهذا القول الكاذب القول يحتمل أن يكون معناه معنى القولين الأَولين إن كان أراد به قائله أنه يخاصم بالباطل من القول والكذب منه جدلا واعوجاجا عن الحق . وأما الخصام : فهو مصدر من قول القائل : خاصمت فلانا خصاما ومخاصمة . وهذا خبر من الله